أحمد بن علي القلقشندي
72
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أحكام من استوزره الخليفة أو استنابه ؛ وان لم يستكمل الصّفات المعتبرة في الولاية الصادرة عن اختيار الخليفة ، استناب له الخليفة لكل ولاية من تتكامل فيه شروطها . قلت : وقد كانت ملوك بني بويه وبني سلجوق مع غلبتهم على أمر الخلفاء ببغداد واستيلائهم يقتصرون في تصرّفهم على متعلَّقات الملك في الجهاد والتصرّف في الأموال ، ويكلون أمر الولايات إلى الخليفة يباشرها بنفسه ، وتكتب عنه العهود والتقاليد على ما تشهد به نسخها الموجودة من إنشاء الصابي ( 1 ) وغيره - وكذلك الخلفاء الفاطميّون بمصر عند غلبة وزرائهم على الأمر من لدن خلافة المستنصر وإلى انقراض خلافتهم من الديار المصرية ، كالصالح طلائع بن رزّيك ( 2 ) في وزارته للفائز والعاضد ، ونحو ذلك : فإنّ الخليفة هو الذي كانت الولايات تصدر عنه تارة بإشارة الوزير ، وتارة بغير إشارته ، على ما تشهد به نسخ السّجلَّات المكتتبة في دولتهم ، على ما تقدّم بيانه في الفصل الأوّل من هذا الباب . على أنّ أصحابنا الشافعية وغيرهم من أئمة الفقهاء - رحمهم اللَّه - قد صحّحوا الإمامة بغلبة الشوكة والاستيلاء على الأمر بالقهر دون استكمال شروط الإمامة ، تصحيحا للأحكام الشرعية الصادرة عن المستولي بالشوكة : من العقود والفسوخ وإقامة الحدود وغيرها ، على ما هو مذكور في باب الإمامة ، وحينئذ فتكون جميع الولايات الصادرة عن السلطان صحيحة شرعا وإن لم يستنبه عنه الخليفة ؛ وكذلك ما يترتب عليها ، على ما الأمر جار عليه الآن .
--> ( 1 ) هو أبو إسحاق الصابئ ، إبراهيم بن هلال : صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع . كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الديلمي . ( انظر ابن خلكان : 1 / 52 ) . ( 2 ) كانت وزارته للفائز في 19 ربيع الأول سنة 549 ه ، واستمر مع العاضد باللَّه حتى 19 رمضان 556 ه حين وفاته . ( ابن خلكان : 2 / 526 ) .